الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
35
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مفصل وهو إنكار أن يبعث الناس بعد تفرق أجزائهم وتحوّلها ترابا بعد الموت ثم يجازوا . وجملة إِنَّا لَمَدِينُونَ جواب إِذا . وقرنت بحرف التوكيد للوجه الذي علمته في قوله : أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ . والمدين : المجازى يقال : دانه يدينه ، إذا جازاه ، والأكثر استعماله في الجزاء على السوء ، والدين : الجزاء كما في سورة الفاتحة . وقيل هنا أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ وفي أول السورة إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ الصافات : 16 ] لاختلاف القائلين . وقرأ الجميع أَ إِنَّكَ بهمزتين . وقرأ من عدا ابن عامر أَ إِذا مِتْنا بهمزتين وابن عامر بهمزة واحدة وهي همزة إِذا اكتفاء بهمزة أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ في قراءته . وقرأ نافع إِنَّا لَمَدِينُونَ بهمزة واحدة اكتفاء بالاستفهام الداخل على شرطها . وقرأه الباقون بهمزتين . وجملة قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ بدل اشتمال من جملة قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لأن قوله : هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ المحكي بها هو مما اشتمل عليه قوله الأول إذ هو تكملة للقول الأول . والاستفهام بقوله هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ مستعمل في العرض ، عرض على رفقائه أن يتطلعوا إلى رؤية قرينه وما صار إليه ، وذلك : إمّا لأنه علم أن قرينه مات على الكفر بأن يكون قد سبقه بالموت ، وإمّا لأنه ألقي في روعه أن قرينه صار إلى النار ، وهو موقن بأن خازن النار يطلعهم على هذا القرين لعلمهم بأن لأهل الجنة ما يتساءلون قال تعالى : وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ [ يس : 57 ] . وحذف متعلق مُطَّلِعُونَ لدلالة آخر الكلام عليه بقوله : فِي سَواءِ الْجَحِيمِ . فالتقدير : هل أنتم مطلعون على أهل النار لننظره فيهم . وفي قوله : فَاطَّلَعَ اكتفاء ، أي فاطّلع واطّلعوا فرآه ورأوه في سواء الجحيم إذ هو إنما عرض عليهم الاطّلاع ليعلموا تحقيق ما حدّثهم عن قرينه . واقتصر على ذكر اطلاعه هو دون ذكر اطلاع رفقائه لأنه ابتدأ بالاطّلاع ليميز قرينه فيريه لرفقائه . و سَواءِ الْجَحِيمِ وسطها قال بلعاء بن قيس : عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا وجملة قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ مستأنفة استئنافا بيانيّا لأن وصف هذه الحالة